Thursday, September 18, 2014

الكهوف السحرية( ذكريات المدرسة الابتدائية)

ذكريات المدرسة الابتدائية
.درست في مدرسة الجنوبية الابتدائية بحي الدرجة بمدني قبالة مدرسة السني الثانوية التي كانت تسمي في ذلك الزمن النيل الازرق الثانوية وكان يدرس بها اخي الدكتور محمد سرالختم وقتها، كنت صغيرا في الصف الثالث الابتدائي حين انتقلت من مدرسة بانت غرب الابتدائية التي درست فيها الصفين الأول والثاني ثم انتقلت الأسرة الي حي 114 وكان لابد من نقلي الي مدرسة اقرب من بانت غرب التي كانت الأقرب حين كنا نسكن حي البيان، كان ذلك الانتقال انتقالا مبهرا ، فالبئية في مدني جنوب ( احياء الدرجة المزاد والحلة الجديدة و114وشندي فوق والسكة حديد) كانت شيئا مختلفا عن حي البيان وبانت والعشير، ففي هذا الجزء الجنوبي من مدني كانت الخضرة تكسو الشوارع بشكل واضح، كانت الحواشات القريبة التابعة لمشروع الجزيرة وتلك الترعة التي تشق حي 114 وتفصله عن الدرجة تضيف بعدا مختلفا للمنطقة، مدرسة النيل الأزرق كانت عالما ساحرا وجميلا ومشتهي، كانت فناء واسعا به مجموعة كبيرة من الفصول وبها داخلية مكتظة بالطلاب، وبها ميادين باسكت بول وكرة طائرة مميزة،اتذكر اننا كنا عندما نأتي صباحا الي المدرسة نتلفت صوب ميدان الطائرة الخاص بمدرسة النيل الازرق،، نري الشبكة منصوبة وفريقان من طلبتها واقفان كل فريق يرتدي زيا مميزا، وثمة استاذ مصري الجنسية يرتدي فنيلة خضراء ممسكا بالصفارة، تبدأ المباراة صاخبة ساحنة وبقية الطلاب حول الملعب يشجعون ونحن ننظر من بعيد في شوق الي يوم نبلغ فيه هذه المدرسة، يرن الجرس في مدرستنا فنركض نحو الباب الصغير خوفا من العقاب ان تأخرنا عن الطابور، ويتكرر المشهد ذاته كثيرا، اظن ان ثمة حكمة كامنة خلف تجاور مدرستين مثل مدرستنا الصغيرة ومدرسة اخوتنا الكبار الثانوية العليا التي تفصل بيننا وبينها مرحلة الثانوي العام، فقد كانت المدرسة الثانوية بميزاتها غير الموجودة في مدرستنا تمثل طموحا مشروعا لنا وتشكل حلما يجعلنا نطوي الفصول طيا لبلوغه، اتذكر ان ناظر مدرستنا الاستاذ محمد يوسف كان رجلا صارما ومهابا، اتذكر حتي العجلة التي كان يستقلها في قدومه وذهابه، اتذكر انني قابلته بعد سنوات عديدة في السوق الجديد بمدني جوار البوستة، كان لايزال علي عجلته تلك وكنت قد بت محاميا يرتدي بذلة كاملة في عز الصيف، توقفت وصافحته وقلت له انني تلميذه فضحك وقال لي يا بني انا لا انسي تلاميذي ابدا، اتذكرك وكل زملائك واحدا واحدا، وانا فخور بكم دائما ويكفيني ان يوقفني في كل دقيقة واحد منكم ويسلم علي بصفتي المحببة التي لايسلبها مني معاش الحكومة( يا استاذ)، كان متأثرا جدا، وكنت سعيدا جدا بلقائه، تذكرت قصة سراج الجعلي ذلك النحيف المشاكس الذي كان نجم الفصل في الهرجلة ونجم الطابور في الصمود امام الجلد العلني المتكرر، كان لايصرخ ولا يئن ابدا، يرفعه اربعة من (ناس ورا) الذين يتميزوا بالطول والقوة وبروز معالم البلوغ عليهم، ينهال السوط علي صلبه وهو يضغط علي اسنانه وحين يطلقوه يقفز نشيطا ويقف في الطابور كأن شيئا لم يكن، حتي كان يوم، كان المسؤول عن الطابور في ذلك اليوم استاذنا مهدي عابدين لاعب اتحاد مدني الفلتة في ذلك الزمان، لاحظ استاذ مهدي في صمود سراج شيئا غير عادي، فانبري وفتشه فاخرج (لستكا جوانيا) كاملا كان محشوا بين الرداء والجسد النحيل، حين رفعوا سراج مجردا من حصانته الخفية صرخ باعلي صوته من السوط

الأول وبكي في الثاني وانفلت هاربا من المدرسة في الثالث وضحك الطابور كله....



حكايةالرجل الذى غير حياتنا( الى الأسوأ)


من الاشياء الموجعة في ذكريات الطفولة في مدرسة الجنوبية الابتدائية تلك الجريمة التي ارتكبها أحد المعلمين بحقنا، كانت مدرستنا تجمع بيننا نحن ابناء العمال الفقراء محدودي الدخل وبين أولاد كبار الموظفين والتجار في المدينة، فقد كان حي الدرجة الذي تقع به المدرسة هو حي الطبقتين الوسطي والثرية وكان سكانه يجمعون بين خليط من كل الطبقات وصفوة من الأثرياء وكبار الموظفين في المدينة، كانت ظاهرة التعليم الخاص والمدارس الخاصة لم تعرف طريقا بعد للمجتمع السوداني في ذلك الزمن منتصف السبعينات، كانت المدارس كلها حكومية وشعارات مثل الزامية التعليم ومجانيته هي المحببة لدي حكومة النميري ذات الشعارات الاشتراكية، كانت الدروس الخصوصية تشق طريقا خجولا في ذلك الوقت، وكان من نصيبنا ان ندفع ثمن ماقبضه معلمنا ذلك الذي يسمي يونس وكان استاذا للحساب قبل ان يصير اسمه رياضيات، اختار ثلاثة من كبار تجار المدينة الاستاذ المذكور ليقدم دروسا خاصة لاولادهم الثلاثة في الحساب، فانعكست تلك الحصص الخصوصية علينا نحن الذين لم نكن نحتاجها ولانملك ثمنها لو احتجناها ، كان انعكاسها علينا ان معلمنا المحترم بات يميز بين طلابه الخصوصيين دافعي الأجر الخاص من اولاد المصارين البيضاء وبين تلاميذه الفقراء الذين تدفع له الحكومة نيابة عنهم راتبه المحدد، كنانرفع ايدينا ونصرخ بحماسة ( فندي ...فندي....فندي) لكي نجيب علي سؤال في الحصة فيتجاهل اصابعنا الصغيرة واصواتنا التي بحت ويطلب من واحد من فرسانه الثلاثة ان ينهض ويجيب واذا اخطأ يعدل اجابته ويطلب التصفيق له، كنا نشعر بالم كبير وحسرة وغضب منه ومنهم، كيف سولت له نفسه وهو معلمنا كلنا ان يمنح بعضنا امتيازا علي البعض لاسباب لاعلاقة لها البتة بالتعليم او الذكاء، وكيف قبلوا هم ان يصبح الفصل واستاذه ملكا لهم وحدهم ونصبح فيه لاقيمة لنا ولاصوت مثل جدرانه؟ ....كان رد فعلنا ان كرهنا الاستاذ فكرهنا حصته وكرهنا الحساب كراهية امتدت الي عمرنا كله وقذفت بنا فيما بعد بعيدا عن المساق العلمي وقذفت بنا في حينه الي ترتيب متأخر في الفصل، اتذكر جيدا انني كنت قد جئت منقولا من مدرسة بانت غرب وترتيبي الأول مشترك بنقصان ثلاث درجات فقط وكانت درجتي في الحساب ممتازة جدا، وحين انهيت عامي الأول بعد صدمة استاذ يونس تلك وترتيبي الحادي عشر ودرجات الحساب هي الأسوأ وهي سبب التدحرج.... كانت تلك جريمة لاتغتفر لازلت اتذكرها بذات الشعور بالظلم وبالغضب برغم السنوات البعيدة التي تقع مابين عام 1974 وعام 2013. الغريب ان الفرسان الثلاثة لم يتجاوزوا في التعليم المرحلة الثانوية، توقف قطارهم فيها وباتوا تجارا مثل ابائهم ، فيما واصل أقرانهم تعليمهم الي أعلي مراتبه، لم تشفع لهم نقود ابائهم ولم تمنع أقرانهم قلة حيلة ابائهم من مواصلة تعليمهم. اما استاذ يونس فنسأل الله ان يسامحه ويفغر له ماتقدم وتأخر من ذنبه، فقد كانت غلطته معنا درسا نافعا لنا تعلمنا منه الكثير وأهم ماتعلمناه هو اجتناب الظلم بكافة اشكاله.

الكهوف السحرية ( ملامح من وجهى القديم)

ملامح من وجهى القديم

كنت صغيرا ومزهوا بنبوغ كنت أسمع عنه عند الكبار، كانوا يفرغونه في شكل ثناء أو هدية صغيرة قد تكون قطعة حلوي، لكنني كنت أمتلي بسعادة لاتحدها حدود وأقبل باهتمام علي دروسي علي أظفر بالمزيد، كنت أحب الاستاذ فأحب مع محبته كل شئ مرتبط به،أتذكر ذلك الاستاذ في مدرسة بانت غرب الابتدائية في مدني أظن اسمه عبد العظيم، كان طويلا وبدينا ومستدير الوجه وله نظارة تميزه وابتسامة تزداد جمالا حين ينشد بصوته القوي أناشيد جميلة كلها تدور حول حب الوطن، فنغني معه باصوات تزداد نشازا مع ازدياد حماسنا، كان ذلك الرجل الجميل بوابة أولي ولبنة أولي في عشقنا للموسيقي والوطن بتلك الطريقة الطفولية الحالمة الجميلة،وكان الجرس في المدرسة موسيقي أخري تتخذ اشكالا مختلفة ، فان كنت داخل الفصل متشوقا للفطور والحلوي فهو بشارة التحرير ورنة السعادة ، وان كنت لاتزال تركض باقدامك النحيلة صوب المدرسة ،ورن الجرس قبل بلوغك الفناء فهو نذير علقة ساخنة ودموع قادمة في الطابور،كان كل شئ في المدرسة له طعمه ومعناه الخاص حتي الشقاوة.
وجه:
أتذكر الان بشكل غامض وجها أسمرا به نمش لرجل خمسيني هادئ الطباع كان هو صاحب الدكان الذي نمر به يوميا في طريقنا من البيت في حي البيان الي المدرسة في بانت، لا أتذكر أسمه ( اطنه السر)لكن أتذكر طعم الفول المصري الجميل الذي كنا نتناوله منه محشوا في سندوتش ونحن ذاهبون الي المدرسة، كان طعما لم يتكرر ثانية برغم الرحلة الطويلة مع الفول عبر السنين، كان رجلا طيبا ، يحب الأطفال كثيرا ويحتملهم إحتمالا لاأظن أهلهم يحتملونه،كنا نحب دكانه كثيراويمثل محطة مهمة في رحلة الصباحية، الدكان كان قريبا من بيت علي افندي والد عبدالعظيم علي افندي زوج عمتي نفيسة محمد علي والدة رفاق طفولتي الباكرة نادرونازك، كان نادر يقرأ معنا في ذات المدرسة وكانت نازك تقرأ في مدرسة الكورة الشهيرة ببانت وهي تقع في الطريق الي المدرسة، فيما بعد صارت نازك وكيلة نيابة وصار نادر ضابطا بالجيش وبت محاميا ثم قاضيا، فهل تري كان من علمونا الحروف وقومونا في ذلك الزمن يتصورون ما صرنا اليه؟ هل كانوا يدركون ان بذورهم ستقبض وتثمر؟وهل لو فقدوا ايمانهم بجدوي ما يفعلون أو تراخي ذوينا في دفعنا نحو التعليم تري كيف كانت تكون مصائرنا؟ هي اسئلة للتقدير والعرفان لمن منحونا قوة في وقت ضعفنا وصنعوا منا شيئا وليست وقفة للتباهي. أتذكر الان تلك الطفولة الشقية في بيوت متعددة متقاربة، بيتنا في حي البيان وبيت جدي الذي يقع أمامه مطلا مباشرة علي شارع الدباغة السوق، والبيت الثالث بيت ناس علي افندي جد نازك ونادر عبد العظيم الذي يقع في طريق المدرسةجوار طاحونة شهيرة أحتلت بعض ذكريات الطفولة، واتذكر كوبري حاجة عشة الذي سموه كذلك نسبة الي حاجة عشة التي تبيع الفول والتسالي عنده وهو كوبري صغير تنحدر مياه الامطار عبره الي النيل الازرق القريب من حي العشير الذي يقع في جانب الزلط، اتذكر بيت ناس العم بشير جمعة صاحب بصات الركبي الشهيرة التي كانت وسيلة النقل بين الخرطوم ومدني وهي نيسانات لها صندوق مصنع محليا،وكان بيت بشير جمعة يطل علي الخور المنحدر من بانت نحو النيل الازرق، واتذكر ان نفس الاسرة كان منها عباس بايا لاعب المدينة الشهير واخوته عمر والثالث بكرى، كانوا مهووسين بكرة القدم ونادي المدينة بينما كان آل دوليب كلهم مفتونين بنادي الزهرة العريق وكانت كل اسرة دوليب تقريبا لاعبين مهرة ، اتذكر منهم كبيرهم كابتن الزهرة الحريف عثمان دوليب الشهير بعثمان ننو وشقيقيه النور وحيكو والتيمان واتذكر الكابتن ابوليلي عليه رحمة الله،واتذكر جلال عبدالله لاعب الاتحاد والهلال العاصمي الشهير من ابناء البيان واخوه مبارك الذي لعب للاتحاد مدني واخوهما بدر ابليس الذي لعب للاتحاد ايضا واتذكر اسرة ناس مبارك الفاضل بركة الذي لعب بالثوار والاتحاد وشقيقه عليوة الذي لعب بالزهرة والاهلي مدني وهلال بورسودان
بيت صغير وشجرة:
كان هناك بيت صغير به شجرة نيم عملاقة، كان البيت في زقاق صغير من زقاقات العشير، كنت احتاج قطع شارع الزلط الملئ بالحركة للوصول اليه، لا اتذكر أسم صاحب البيت ولكنه كان قريبا بعيدا لنا،كان البيت علي قلة سكانه وهما زوج وزوجة دوما مزدحم بالناس وبالضجيج الفرح،لاتخلو الدار ابدا من الضيوف المقيمين وجلسات الجبنة والأنس، كنت اتسائل دوما كيف يحتمل الرجل الباسم الودود دوما كل هذا العبء ولماذا؟
غاب الرجل في زحام الحياة فجأة وبقيت شجرة النيم العملاقة تنتظر أوبة من كانوا يقضون سحابة النهار تحتها في أنس وحبور، كنت أعود اليها بين الفينة والأخري فلا أجد من آثار أهل الدار الا الطيور التي تقضي سحابة النهار في ظلها، ثم باتت الشجرة شاحبة صفراء الأوراق، وذات يوم جئت فلم أجدها بل وجدت أوراقا شاحبة جافة وأغصان مبعثرة في الكوشة الكبيرة التي تتوسط الحي ، فبكيت ولم أعد أبدا.

صور سريعة:
في حي البيان حيث سكنا في طفولتي الباكرة في منزل باشا جد حموري لاعب الكرة الشهير بجوار ناس اب ساق من الجهة الشرقية وناس آمنة الحمراء من خلفنا وناس عاطف المشهور بعاطف اب ادية بسبب عيب خلقي في يده من الناحية الغربية ويفصلنا عنهم شارع صغير، وأتذكر أن احد الجيران كان ملاحظا للصحة وله برنيطة عريضة وزي كاكي مميز واظن ولده كان عادل الكردي الذي بات فيما بعد ضابطا كبيرا بالشرطة في الثمانينات،وكان من الجيران شاب يسمي قزقز واسمه عبد العظيم فرح كان لاعبا لكرة القدم بامكانيات مهولة وكان يلعب في فريق الثوار وقتها ،وكانت الالقاب منتشرة في الحي انتشارا كبيرا كان سمة تلك الناحية من مدني وذلك الزمان،وفي تلك الايام كانت العصبية للاحياء والشلليات المبنية علي ذلك في أوجها، كان اولاد العشير عصبة شرسة واولاد أم سويقو عصبة أخري أصعب وكان أولاد البيان مجموعة وأولاد بانت مجموعة أخري، ومن الطرائف التي اتذكرها أن المجموعات المختلفة اعتادت علي شن غارات علي بعضها البعض استعراضا للقوة وثأرا احيانا وبحثا عن الإثارة تارة أخري، اتذكر انه كان يوجد في مدخل فريقنا مثلث صغير يبدأ من الكوبري الأول بعد القبة مباشرة جوار منزل جيران كان لهم ابن يشتغل بشرطة المرور وله موتر من مواتر التشريفة، عند هذا المثلث كان ثمة عمود كهرباء مضئ وعند هذا العمود كان العم (مدنكل )يبيع السندوتشات الرهيبة من الفول وسلطة الاسود وسلطة الروب والطعمية، كانت شهرة العم مدنكل تشمل مدني كلها،فيأتي الناس اليه لشراء السندوتشات الجميلة، كان اولاد حلتنا قد اعتادوا التجمع عند عمود النور ولعب الكوتشينة ارضا اسفله والسمر تحته، وكانت هناك خشية دائمة من غارات اولاد العشير وأم سويقو المفاجئةفكان اولاد الفريق الكبار يستخدمون الصغار ككتائب استطلاع وانذار مبكر، وكانت العصي مجهزة بجوارهم استعدادا لاي غارة،واتذكر غارة شنها اولاد أم سويقو علي الفريق استدعت تدخل النجدة لفض الاشتباك، كان الأمر كله استعراضا للرجولة وبحثا عن الإثارة والبطولات ،وكان شيئا يبدد الرتابة،والغريب انه كانت توجد علاقات طيبةوصداقات فردية عابرة للاحياء ومباريات كرة قدم ومشاركات في الأعراس في الاحياء المختلفة ونادرا ما كانت تحدث احتكاكات لكنها لو وقعت فتكون كفيلة بفض الحفلة بصورة بشعة، وكان لعلاقات المدارس دور كبير في تذويب التعصب للاحياء واختفاء عصابات وشلل الاحياء في مدني،ولكن ظل ابناء مدني لفترات طويلة يتحركون في جماعات كبيرة علي اساس اولاد الفريق خوفا من بطش عصابات الاحياء الاخري بهم ان هم تحركوا فرادي.

الكهوف السحرية ( الترزى الجميل)

(الترزي الجميل )
تذكرت وجهه من بين وجوه عديدة تزدحم بها كهوف الذاكرة،كان غريبا عن مدني ،ولكن دكانه الصغير بالدرجة كان اميز مكان لتجمع ابناء حي الدرجة ،كان محمد احمدترزيا ماهرا،ولاعب كرة مميزا بفريق التضامن ،اميز فرق حي الدرجة،كان يلعب مدافعا ايمنا،وكان رجلا مرحا صاحب نكتة وابتسامة دائمة، كان محبوبا من الجميع ،وكان دكانه قبلة للغادي والرائح،ولايخلو من الاصدقاء أبدا،كنت تجد نجوم فريق التضامن 
جميعا هناك: محي الدين عبدالستار/ عبد اللطيف/ عمر عبدالله/ عبد الله الكوارتي،وتجد ثلة من ابناء الدرجة وأصدقائهم ،تجدالحوري وعلي العوض والفاتح عبد الرحيم الأمين( فالدكان ملحق بمنزل اسرته) ،كانت الضحكة هي سيدة الموقف ،والمحبة هي ستارة المكان وانفاسه، كنت كثير التردد على ذلك الدكان وفيه تعلمت وعشقت لعبة الكوتشينة المفضلة لديهم وهى (الاستميشن) وهى عكس الويست في قواعدها، وفيها غتاتة لاحدود لها وأكثر الناس اجادة لها محى الدين عبد الستار وسفيان عبد النبي وعلى العوض، ظل الدكان عامرا بالضحكات والناس ، وحقق فريق التضامن حلم قاعدته القديم ،صعد فريق التضامن الي الاولي ،وفعل العجب في دورى الدرجة الاولي،وانتقل بناديه الي موقعه الجديد جوار مدرسة السني،وظل دكان محمد احمد مكان التجمع المحبب لرواده،ثم دار الزمان دورته،حتي كان يوم،نعي الناعي محمدا
فارق محمد احمدعلي عجل في حادث حركة اليم في شارع القضارف، غيابه الأبدى وحده كان قادرا علي تغييب الابتسامة،ولكن سيرته بقيت تومض في ذاكرة وقلوب الاصدقاء 
رحم الله محمد احمد الترزي الماهر 
ولاعب التضامن السابق وصديق الجميع
رحمة واسعة.

الكهوف السحرية_ السنى الثانوية

مدرسةالسنى عش الجمال
مدرسة السني الثانوية كانت مرحلة مهمة وغنية بالمعرفة والتجارب في حياتي
فيها كونت صداقاتي الاولي المؤثرة في حياتي
فيها عرفت مجدي النعيم بنظارته الطبية وسمته الهادئ ونهمه للقراءة 
وكتاباته القصصية ومحاولاته الشعرية وحفظه للشعر
كان مدهشا هو وعالمه
قادني بعيدا من عالم كرة القدم والالغاز وكتب ارسين لوبين ومشاجرات
اولاد الفريق وصالات السينما الي عوالم اخري ارحب واكثر غموضا وجاذبية
هو عالم الشعر والقصة والثورة والهم الاجتماعي
كان مجدي من ابناء المدينة عرب وكان يقيم بالداخلية 
في ذلك الزمن كان ابناء المدينة يرون نفسهم اعلي درجة من ابناء القري ويطلقون علي 
سكان الداخلية القابا غريبة منها الروس
ولكن ابناء الداخلية كانوا دائما قادرين علي الانخراط في المجتمع المتمدن وكسر غروره 
بسعة افقهم ومواهبهم وتميزهم الاكاديمي ومشاعرهم الصادقة
وسرعان مابت صديقا للداخلية وشريكا في عدسها وفولها وشعرها وابداعها
كان مجدي بوابتي الي رابطة الجزيرة للاداب والفنون هو وبقية الاقمار اصدقائي الرائعين الشهيد 
طه يوسف عبيد وخالد عائس وعبد الحميد عبد الرحيم وعصام جبرالله
مجدي النعيم بات دكتورا في الادب وترجم كتابا مهما غن الثائر علي عبد اللطيف
كتبته باحثة يابانية بالانجليزية ، خالد عائس طبيب متخصص مقيم ببريطانيا الآن وعصام درس الاقتصاد بجامعة الخرطوم وهاجر الي سويسرا
وكان هناك مبدع اخر بمدرسة السني هو الاعلامي عبد الماجد عبد الرحمن وهو من ابناء ريفي المناقل وطالبا داخليا
وكان مذيع المدرسة الاول الامر الذي اهله ليكون فيما بعد احد مذيعي الولاية اللامعين
وكان نشيطا جدا في الانشطة الادبية
ومن النجوم قيس حيدر الكاشف الذي كان ممثلا بارعا ادمي الاكف بالتصفيق في مسرحية البشارة 
التي كان من ابرز نجومها وهي الفائزة بالذهبية علي مستوي الجزيرة والسودان في الدورة المدرسية 
وهي من تأليف الشاعر محمد محي الدين واخراج الاستاذ الجميل بشير زمبة استاذ الفنون بالمدرسة 
وقيس حيدر الان يعمل قاضيا مرموقا بالسلطة القضائية
ومن نجوم المدرسة اكاديميا المتميز المهندس عبدالله عكود عثمان الذي كان بارعا في الرياضيات من يومه وهو الان مهندس كمبيوتر تخرج من جامعة الجزيرة كلية العلوم والتكنولجيا ومن اوائل من اقاموا مركز تدريب وتعليم الحاسوب بمدني وهو صاحب نكتة 
ومن نجوم المدرسة جمال محمد عبد الله الوالي من ابناء فداسي وكان شخصا مهذبا خلوقا ومحبوبا من الجميع ومحبا لكرة القدم بلا غلو وبلا لعب لها وهو رئيس نادي المريخ الحالي وكنا نذهب بدعوة منه الي فداسي يوم الخميس منتخبا كرويا من المدرسة ونلعب هنالك مع فريق فداسي ونحل ببيت اسرته الواسع ،وكان ذلك عملا ادارايا كشف اهتماما مبكرا بالادارة وقد كنت يوما كابتن المدرسة وحارس مرماها
ومن النجوم اخونا عماد بابنوسة من اولاد دردق وهو حارس مرمي بارع حرس مرمي الاتحاد مدني فيما بعد وهو الان برتبة عقيد بالشرطة
وكذلك اخونا علي الشريف الذي لم يكن له نشاط رياضي ولكنه كان محبوبا من الجميع وصاحب تأثير كبير وهو الان ضابط شرطة برتبة العقيد
وهناك الاخوان خالد سعيد حارس الزهرة من ابناء دردق وياسر كمبوك مدافع المدرسة من ابناء 114 
وهناك ياسر النقر من ابناء المزاد وهومهاجم المدرسة وفريق نجوم المزاد ومن بعده الدفاع ومن بعده اهلي مدني
وكان استاذ صلاح الحاج الشهير بصلاح كيمياء من ابرز المعلمين بالمدرسة ومن قيادات ومحبي النادى الأهلى مدنى
وهناك الاستاذ فضل السيد عليه رحمة الله وكيل الناظر ومن ثم الناظر وقد كان رجلا طيبا ومربيا فاضلا خصنا جميعا بأبوة حانية إبان ازمة استتشهاد طه يوسف عبيد حيث صارت المدرسة مركزا لنشاط طلابي مضاد للحكومة وقبلة للجميع خاصة حفل التأبين الذى أقيم بالمدرسة بحماس دافق منا برغم اعنراضات السلطة وتهديدات الأمن ، لكن الاستاذ فضل السيد وقف الى جانبنا وتمكنا من اقامة التأبين بالمدرسة وقرأ فيه محمد محى الدين قصيدته عشر لوحات للمدينة وهى تخرج من النهر وشاركه شعراء رابطة الجزيرة للاداب والفنون وتحدث المتحدثون فنددوا بالسلطة وباغتيال الشهيد وانتهت الأمسية بسلام.

الكهوف السحرية _ حكايات الجامعة

الجامعة
ولجت الجامعة في منتصف عام 1983، وكان استشهاد صديقي طه يوسف عبيد ودمه الذى سال على الأسفلت في مدنى قبالة الادارة المركزية للكهرباء لايزال هو الحدث المؤثر على حياتى وشخصيتى فقد نقلنى مرآى الدم وموت صديقي من حياة ساكنة تسيطر عليها كرة القدم لعبا ومشاهدةومشاجرات أولاد الفريق ومشاهدة الأفلام الهندية الى عالم جديد مختلف باتت السياسة فيه هى مركز الاهتمام وبات الانخراط في النشاط السياسي السرى المحظور وقتها ضد نظام النميرى هو الجديد فيها، تركت الغاز المغامرين الخمسة والمكتبة الخضراء وقصص أرسين لوبين اللص الظريف وقصص اجاثا كريستى وابطالها هيركل بوارو ومسس ماربل كاشفة الأسرار، تركت هذا العالم كله وهاجرت صوب عالم جديد كانت خطواتى قد بدأت الهجرة اليه ببطء مع طه والأصدقاء المشتركين وكانت ملامح تلك الهجرة قد بدأت بقراءة اشعار شعراء المقاومة الفلسطينية الثلاثة الكبار( سميح القاسم ودرويش وتوفيق زياد) ومن ثم بدأت بارتياد رابطة الجزيرة للآداب والفنون والليالي الشعرية، ولكن هذا الانتقال أخذ شكل التحول العاصف الكبير بعد استشهاد طه، تحولت الهواية والفضول الى التزام شخصي بالسير على خطى الشهيد والى التزام شخصي بالثأر له من نظام نحره نحراً بلا جريرة جناها سوى الهتاف البرئ، اندفعت بتهور شديد وحماس هو طابع تلك السن وتلك الفترة فقد كنت بالكاد قد بلغت التاسعة عشرة من عمرى عندما واجهت الموت مع صديقي وبت شاهدا لم تستدعه أي محكمة حتى اليوم لتسمع شهادته،اتذكر الآن اننا قمنا بتكوين اتحاد طلاب سرى في مدرسة السنى مهمته تنظيم التظاهرات بالمدينة ونسقنا مع زملاء لنا في المدارس الأخرى بغية تكوين اتحاد على مستوى المدينة، وبتنا نصدر صحيفة بالمدرسة تعبر عن افكارنا وتندد بالنظام وتنشر الأشعار الثورية، كنا في البدء مجرد مجموعة أصدقاء حركهم حدث عام أوجع قلوبهم الصغيرة، ثم أكتشفت فيما بعد أن بعض أصدقائي أولئك منظمون في تنظيم طلابي يسمى الجبهة الديمقراطية فلم أتردد في ولوجه مطلقا فقد كان وتر القوس مشدودا وكان لابد للسهم ان ينطلق كما قال مصطفي سعيد بطل رواية موسم الهجرة للطيب صالح. هكذا ولجت الجامعة برلوما منظما ومنحازا لفريق من الفرق المتنافسة وهو أمر حرمنى من التمتع بالدهشة التى تمتع بها بقية البرالمة الذين دخلوا الجامعة وهم صفحات بيضاء لم تسمع بالانشطة السياسية الا بالجامعة فلم يكن خارج الجامعة نشاط علنى معروف مثل الذى بالجامعة. بالمناسبة الجامعة كانت نقلة كبرى بالنسبة لجيلنا، نقلة من القيود الشاملة الى الحرية المطلقة، فقد كانت السينما محرمة علينا قبل الجامعة حد اننى لجأت الى الحيلة للذهاب للسينما فكنت اضع عودا من الحطب على سريرى واغطيه بالبطانية ثم اقفز بالسور واستمتع بالدور الثانى مع اصدقائي، حتى كان يوم هطل المطر فيه ونحن بالسينما واستغرب أبى من بقائي راقدا تحت المطر فاقترب من السرير واكتشف الخدعة وكانت علقة ساخنة. من هذه القيود انتقلنا الى عالم كل شئ فيه رهن ارادتك ، بمقدورك ان تذهب السينما أو المسرح أو الجامعات الأخرى أن تحضر المحاضرة أو تقضي وقتها بقاعة الصداقة في عرض نهارى، كل ذلك يرجع اليك وحدك. لا رقيب عليك سوى نفسك. والغريب ان الرقيب الذاتى كان صارما جدا. فقد كانت الحرية مكبوحة الجماح بالمسؤولية، فقد كنا نعرف جيدا أن واجبنا الأول هو النجاح وكل شئ آخر يجب الا يتعارض مع هذا الواجب. لكن العمل السياسي الذى كنا نمارسه كان عبئا ثقيلا، فقد كنا نجول المدن الثلاث بالعاصمة من أقصاها الى أقصاها وننفق وقتا طويلا في اجتماعات كثيرة كنا نظنها لسذاجتنا حينها قادرة على تغيير العالم، نتقمص فيها شخصيات واسماء لمناضلين بهرتنا سيرتهم وأفكارهم، شخصيا كنت معجبا بجفارا وناظم حكمت وبابلو نيرودا شاعر تشيلي، وكنت استعير اسم ناظم دوما، كانت اجواءا فيها غموض وسحر مصطنعين الى حد كبير لكنه غموض محبب يتناسب مع رغبتنا في تقمص ادوار أولئك الذين غيروا أفكار العالم ، الغريب اننا لم نتوقف امام فشلهم في تغيير عالمهم الذى ارادوا تغييره.كنا معجبين ببسالتهم وصلابتهم ووقوفهم بوجه الظلم وكان ذلك هو الشئ الملهم في سيرتهم. وكان هو الوقود الذى نحتاجه في رحلتنا الطويلة ضد نظام سياسي كنا نراه شرا مستطيرا ولانرضي بغير تغييره بديلا.

الكهوف السحرية (مشاهد من الذاكرة المثقوبة) سيرة

كتب الشاعر المرهف محمد محي الدين قصيدة رائعة حول استشهاد طه يوسف عبيد سماها عشر لوحات للمدينة وهي تخرج من النهر ... وهي لوحات رائعة لم تسجل الاستشهاد البطولي لطه يوسف عبيد وحده بل جسدت سيرة مدينة مدني بمجانينها واساطيرها
وكانت كلمات اقوي من الرصاص(شرد اللون والريشة انتفضت .. رابطت في الشوارع) 
اعدكم بنشرها قريبا فهي صفحة من تاريخنا الثقافي
ومحمد محي الدين كان ولازال ركنا ثقافيا كبيرا في مدني وهو صاحب صوت شعري قوي ومتفرد ولغته لغة معطونة في الشجن والثورة وهو صاحب ديوان الرحيل علي صوت فاطمة
في ذلك الزمان كنا نطارد محمد محي الدين في الليالي الشعرية لنستمع للقصيدة وفي كل مرة نشعر بأننا نسمعها لاول مرة
وكنت استعيد تلك اللحظات القاسية كلها
كنت صغيرا وكان طه صغيرا وكنا نظن الدنيا اناشيد وقصائد وزهور وابتسامات
ولم نكن نظن ان فيها من يقتل انسانا لمجرد خروجه في مظاهرة سلاحها كالشعراء: كلمة..
مجرد كلمة وهتاف؟
مازالت تلك القسوة قابعة في اعماقي
مازلت اذكر العنقريب الاحمر الذي احضره بعض الطيبين من دكان ترزي اسمه الحريري
دكانه كان غرب كلية المعلمات
احضروا منه العنقريب ذي القوائم الملونة وووضعوا فوقه جسد طه الغض
وساروا به الي مستشفي مدني وسرت معهم مذهولا ومفجوعا
حتي حين تهامس الناس وسمعت سيرة الموت اول مرة لم اصدق ذلك
وعدنا من هناك الي منزل الاسرة بحي المزاد خلف مدرسة السني مباشرة
ذلك البيت الحبيب كان مكتظا بالبشر والميادين الاربعة امامه كانت كذلك
وفي الغرفة الصغيرة كان هناك خال الشهيد عبد العزيز عبد المنعم حافظ
والاستاذ مجدي سليم المحامي والاستاذ صلاح دفع الله وقائمة طويلة 
وكان هناك افراد الشلة الحبيبة جميعهم
وهناك احضرت عربة الجثمان
من ذلك المكان خرجت مظاهرة اضخم لتشيع طه الي مثواه الاخير
عبرت المسيرة حي 114 وحين بلغت امام مدخل المؤسسة الفرعية للحفريات لعلع الرصاص مجددا
وسقط الشهيد الخانجي
وسقط العنقريب الذي يحمل جثمان طه نحو الارض بعد ان أصيب احد حملته وتفرق الاخرون وانبطحوا ارضا لتفادي الرصاص المنهمر
بقي طه وحيدا وبجواره والده الشيخ يوسف عبيد الذي جلس القرفصاء جوار الجسد المسجي وامسك باحدي القوائم وبقي هكذا غير عابئ بالرصاص.. توقف الرصاص أخيرا...جاءت عربة مجروس تابعة للجيش لتخلي جرحي الغارة ورأيت بأم عيني ضابطا بزيه الرسمي ممسكا بالجندي الذي كان قد اطلق الرصاص وهو يهزه بهيستيريا وغضب بعد ان تم تجريده من السلاح... كنت ملقي علي الارض بجانب الاسفلت...نظرت نحو طه وابيه ... كان يبدو نائما وابيه يحرسه اثناء نومه ،كان مغطي بالابيض.. وكنت واثقا انه كان يبتسم كعادته............
كان استشهاد طه يوسف عبيد حدثا لاينسي ولا يتكرر، كنا صغارا قليلي التجربة يدفعنا فضول الصغار الي ارتياد افاق جديدة ولم يكن اكثرنا تشاؤوما يظن ان الخروج في مظاهرة والهتاف بكلمات يمكن ان يكلف المرء حياته، كنا نظن لسذاجتنا ان الخروج في مظاهرة مثله مثل دخول مباراة كرة قدم او السينما او الذهاب الي ليلة شعرية ليس ذنبا ولاجريرة، لذلك كانت صدمتنا كبيرة، طه الضاحك الجميل الطيب الرسام لم يؤذ احدا فلم يقتلونه؟
لذت بصمت كبير وأنكفأت علي حزني واسئلتي وظللت اذهب كل يوم صباحا الي منزل العزاء صباحا وابقي هناك حتي المساء صامتا اذهب وصامتا اعود وقدرة غريبة علي حبس الدموع قد هبطت علي من حيث لا أدري، كانت امي مرتاعة حزينة ترقبني في مجيئ ورواحي وهي قلقة ، حتي كان يوم، عدت من بيت العزاء عند المغيب في اليوم العاشر لاستشهاد طه وتوجهت نحو الحمام وقبل ان اصله وجدتني انفجر بغتة كالقنبلة بالبكاء ... بكاء طويل ... بكاء لم ابكه من قبل ولا من بعد.. اتذكر دموع اخواتي والخوف في عيونهن ويد أمي الحانية ونظرة الراحة في عينيها وصوتها رخيما دافئا في أذني وهي تحرضني علي البكاء مؤكدة ان البكاء خير من صمتي.............................................. .......

Tuesday, March 18, 2014

الكهوف السحرية/ سيرة/ صلاح الدين سر الختم على


صغيرا جدا كنت حين أنبتت لى جدتاى عليهما رحمة الله أجنحة من الخيال بحكاياتهما المسائية عن فاطمة السمحة والغول القبيح نتن الرائحة الذى خطفها ثم نام متوسداً ضفيرتها،وعن كهفه البعيد المظلم ، وعن حسن وحسين (أولاد عيسي الاتنين) الذين ظلت فاطمة السمحة تستغيث بهما وتناديهما بصوت رخيم عذب تقلده الجدتان وتتفنا في ذلك:
ياحسن وحسين اولاد عيسي الاتنين أنا الغول اكلنى
فيجيبها الصدى:
حسين جمال أنا البرد كتلنى...
تتوالى فصول الحكاية، ارانى حسن وحسين وهما يجولان فى الغابات ويعبرا بجواديهما الجبال ويحلقا فوق أعلى الأشجار وهما يحملقان يمنة ويسرة بحثا عن فاطمة ويصرخا وهما شاهران سيفيهما، فتتوارى الوحوش وتهرب من أمامهما،واسمع معها صوت فاطمة ضعيفاً خافتاً باكياً تحمله الرياح من الجهات الأربع. كنت انتظر غروب الشمس بفارغ الصبر حتى أهرول مسرعا الى تلك الغرفة الصغيرة التى تقيم فيها جدتاى بالتناوب فى رحلتهما السنوية بين مدنى وابوهشيم،أهرع الى الغرفة الصغيرة حيث التهم أشهى وجبة تنتظرنى فى كل ليلة،أحبس أنفاسى وتتعلق عيونى بشفتى الجدة وعروق رقبتها النافرة، يبدو سريرها المصنوع من الخشب والمنسوج بالحبال عرشا جميلا لملك عظيم من ملوك حكاياتها، وتبدو الغرفة بأكملها كهفا أسطوريا عابقا بالحكايات، ويبدو النمل الماشى على الارض الترابية مستمعاً مثلى للحكايات يجلبه الفضول مثلى فلايغيب أبداً، قد تتكرر الحكاية مراراً ولكن الجدة لاتسردها أبدا بذات الكيفية، بل تقدم وتؤخر وتحذف وتضيف كيفما شاءت، وتغنى بصوت منغم جميل اثناء الحكى غناءً يتبدل هو الآخر، وفى كل مرة يكون للحكاية تفاصيل جديدة لم ترد قبلاً، فتبدو الحكاية حكاية جديدة فى كل ليلةومختلفة عن سابقتها، الأبطال هم نفسهم، والأشرار هم نفسهم، والتشويق هو نفسه، لكن الحكاية تتجدد مثل العصافير على الشجر فى كل أمسية وتنبت لها أجنحة جديدة فى كل مرة تحكى فيها الحكاية.لم أكن املك جدة واحدة، بل اثنتان: زينب بنت الحاج جدتى لأمى، وفاطمة بنت خادم الله جدتى لأبى،كانتا تتناوبا الحضور إلينا من بلدتنا ابوهشيم القابعة أقصي الشمال، يحمل قطار(الصعيد) هذه الينا ويعود بتلك القطار العائد(قطار السافل)، فكنا نحظى بحكاياتنا دائما، وكان من حسن حظنا أن كلا منهما كانت مجيدة للحجى ونظم الشعر والغناء به وذات مخيلة واسعة وذاكرة عامرة بحكايات الناس والنخيل وأنفاس المكان،جدتى والدة أبى كانت امرأة طويلة القامة، جميلة الملامح، لها شلوخ صغيرة على وجنتيها، عيونها واسعة لاتشعرك أبدا بأنها ضريرة،بيضاء اللون بياضا نادرا في أهلنا، شعرها طويل لكنه بات بلون الفضة من فرط ماغزاه الشيب،كانت أسنانها البيضاء القوية المنتظمة تعطيها ألقا وشبابا وهى فى التسعين فتبدو أصغر من ذلك كثيرا،كانت ذات شخصة فريدة، فهى بالرغم من كونها ضريرة،إلا أنها استطاعت بألق روحها أن تنسج من الظلام المحيط بها ضوءا كاشفا بددت به وحشة الحياة من حولها، وجعلتنا ننجذب كالفراش إلى كهفها السحرى فى كل أمسية،كانت ترى بخيالها عوضا عن عينيها فتسافر بنا بعيدا بخيالها الخصب وشعرها الجميل المدوزن الذى يضفى على السرد حيوية وسحرا،كانت ضريرة لكنها أنبتت لنا أجنحة حلقنا بها بعيدا خارج الغرفة الصغيرة والبيت الصغير القابع فى حى عمالى صغير فى ودمدنى، حلقنا عاليا مع خيالها الخصيب وروحها النورانية، نرتاد قصور الملوك الظالمين والعادلين، نسمع قعقعة السيوف وشقشقة العصافير،نرى الغابات الجميلة والمخيفة، نرى وحوش الغابة أسودها وثعالبها وغزلانها،نغوص فى البحر ونرى أنياب التماسيح بارزة ، نتعرف معها على حيوانات الغابة قاطبة وتماسيح البحر وحيتانه التى تتكلم، ونتعرف على أحلام الأطفال تحدثنا عن الفقراء الطيبون والأشرار القساة،والشجاعة والجبن،وكانت قادرة دوما على ان تجعلنا جزءا من الحكاية واختيارنا دوما هو نصرة معسكر الخير، كنا فى خيالنا نسرح فنحمل سيوفا لامعة ونتقمص دور حسن وحسين ونبحث عن فاطمة وحين يجيئنا الغول فى أحلامنا نطعنه عشرات المرات بسيوفنا فى عينه الواحدة المظلمة ككهف ونصحو مفزوعين مبللين بالعرق في الشتاء. أما جدتى بت الحاج فهى كون آخر من الوسامة بحجمها  الضئيل وعودها الضامر ولونها الذى يسميه أهل السودان خدرة وهو الى لون الطين أقرب،فكلما وطأت أقدامى جرفا أخضرا نظرت الى تربته السوداء حيث لازرع يغطيها وقلت لنفسى هذا لون وجنة حبوبة زينب بت الحاج، وكانت هى نفسها محبة عظيمة للجروف والطين والنخيل،أتذكرها وهى تلبس مركوبا احمرا جديدا وثويا ابيضا وهى متحكرة فوق حمارتها ضئيلة الحجم مثلها وهى فى طريقها من أبوهشيم الى الجزيرة أرتل فى رحلتها السنوية لجمع الحقوق، مبتسمة متأنقة كعروس ليلة عرسها، وتلك الوجنة الصغيرة تنكشف عن نونة صغيرة مثلما ينكشف الفم عن أسنان متصدعة فيبدو خاوياً،كانت جدتى حين تكون سعيدة وهو حالها الغالب دوما، تبرز وجنتاها فى شكل نتوء صغير للداخل وتبرق عيناها الصغيرتان،كانت هى الأخرى مخزن حكايات لاينضب، وصاحبة صوت جميل يعلو دوما بمدح الرسول الكريم فهى مستمعة جيدة وحافظة لكل مديح اولاد حاج الماحى محبى الرسول، وكانت شاعرة مجيدة لها أشعارها وأغلبها في مدح المشرق ذلك التمر الذى اشتهر به اهلها الرباطاب واحبته هى فلايغيب عن مجلس قهوتها المنعقد مرتين في اليوم الواحد ضحى وعصرا بطقوس خاصة وفريدة أهمها ارتفاع عقيرتها بالمديح والترحم على اجدادها وابائها الراحلين وممارسة هوايتها المفضلة التى تكسب منها عيشها بالاضافة الى الحقوق الموروثة( وتلك الهواية هى ضفر السعف وصنع المصنوعات المحلية منه سواء كانت قففا( سلالا) من السعف أو بروشا للصلاة أوغيرها.كانت تشعل نارها وتقوم بقلى البن حتى يسمر لونه،ثم تمرره على الجالسين لينعموا برائحة البن ودخانه، ثم تقوم بسحنه عن طريق الفندك الصغير ويد الهون، ثم تخلط البن بالماء المقلى المخلوط بالجنزبيل، وتدور الأقداح الصغيرة دورات منتظمة لكل دورة أسم يميزها( البكرى) و(التنى) و(البركة).كانت جدتى تبدو ملكة فوق عرشها تحيط بها رعية محبة تنهل من معينها كما ينهل الناس من نهر عظيم لايعرف التوقف، تبدو جدتى فى تلك اللحظات شيئا خالدا لايفنى أبداً، كنت ألمح المحبة لها في وجوه كل المحيطين بها وفى حرصهم على عدم الغياب عن مجلسها الصغير الذي يكون مقره برندة صغيرة ضحى والحوش الوسيع تحت الظل عصرا، لازلت أشم رائحة ذلك البن وأرى دخانه المتصاعد حول وجه جدتى الصغير وأرى عيونها تبرق كقطة ماكرة فى سعادة من ملك الكون كله، أنظر الى الشرقرق المصنوع من الألمونيوم وهو تعلوه ليفة صغيرة تمنع سقوط حبات البن الدراش التى لم تسحن جيدا الى الفناجين،أنظر الى صحن العجوة الصغير، حبات العجوة الحمراء المغسولة التى تذوب في الفم كالحلم والوهم، لايبقي منها سوى طعم لذيذ وشوق الى المزيد.لم يكن الناس يهتمون كثيرا فى ذلك الزمان بالملاءات والمراتب، كانت العناقريب الصغيرة وسيمة ساحرة بحبلها المنسوج عليها بلا غطاء ولامرتبة، والأوانى عادية وبسيطة مثل ناس ذلك الزمن،وجميع الادوات صناعة محلية خالصة، وكورة الطلس حاضرة والمياه من الزير الساقط نظيفة لامعة تقدم بلا وسيط يحملها فهى تحمل على كوز من الزير مباشرة للضيف،كانت جدتى زينب مزهوة بتاريخ أجدادها وشجرة عائلتها زهوا لايفوقه شئ إلا محبتها للرسول الكريم وآل بيته الذين سمت عليهم كل أولادها وبناتها والأحفاد الذين حظيت بحضور ميلادهم،لذلك تفهمت جيدا تلك الدموع التى غشيت وجه أمى بعد اكثر من ربع قرن من رحيل جدتى زينب حين وقفت أمى في بيت الله الحرام ونظرت من عل للطائفين بالبيت العتيق ومسحت دمعها وهى تقول(..قادر الله..كل دى أمة سيدنا محمد؟.. ياحليلك يا أمي الما بليتى شوقك للرسول....) ثم صمتت وأخذت تهمهم فى سرها وتدعو دعاء طويلا.كانت الجدتان حريصتان حرصا ظاهرا على إعارتنا ذاكرتيهما وماتفيضا به من محبة للمكان  وتراثه وللجذور، لذلك كنا نرى عبر سردهما كل مافاتنا من مشاهد ومشاهدات ومن حياة اندثرت وغابت فى البعيد، ونرى كل تفاصيل المكان الذى جئن منه كأننا قاسمناهن الحياة فيه، كانتا تعرفان أننا ننتمى الى جيل مختلف نشأ بعيدا عن جذوره ولايعرف شيئا عن تلك الأمكنة، فأرادتا نقل كل معارفهن عن المكان والإنسان الذى يشغله إلينا وإرضاعنا حليب الحب له، كن بأصواتهن الدافئة ينقلن محبتهن للمكان وأهله حيث حبون ونشأن فى تلك البقعة الصغيرة فى شمال السودان التى بدأت تنأى عنهن وعنا، وكانت تلك جرعة أولى من جرثومة الكتابة والسرد أخذتها صغيرا وأمتلأت  بالأسئلة حول اسباب ذلك الحب وتلك الرغبة فى مشاركة ذلك المكان وتلك الصور البصرية والسمعية الجميلة، كانت جرعة أولى مهمة عن طرق السرد والقص وأساليب التشويق والإيقاع المحكم، كانت محاضرات مجانية فى الهواء الطلق وتدريبا عمليا على كتابة القصة والسيرة والرواية، وأهم من ذلك كانت بيانا بالعمل حول أسباب الرغبة فى السرد والولع به، ومن ثم سكنتنى شهوة السرد بشكل دائم كعدوى جميلة لم أملك لها ردا، فوجدتنى منذ بواكير الصبا شغوفا بتقمص دور الجدة صاحبة النهر الذى لاينضب من الحكايات، لكن جمهورى كان أوسع من جمهورهن.

جدتى زينب بنت الحاج كانت امرأة نادرة المثال، فقد كانت عفيفة النفس ، كريمة، محبة للناس، عاشقة للعمل  وملتزمة بالأكل من عرق جبينها بشكل فيه كثير من المبالغة والإفراط،لذلك ظلت تعمل وتكسب من عمل يدها حتى آخر أيامها وقد بلغت الثمانين، كانت نشيطة لاتحب المكوث فى مكانها ولاتحب البقاء بدون وجود مايشغلها،كانت تجئ من أبوهشيم الى ودمدنى فى كل عام في ميقات معلوم ، تبقى هناك حتى يحين آوان حصاد نخيلها الموروث بالجزيرة أرتل وأبو هشيم ، تشرغ بنفسها على الحصاد وتوزيع الحقوق، وتشحن حصتها من التمر عبر السكة حديد من أبو هشيم بأقصى الشمال الى واد مدنى فى قلب الجزيرة حيث بيتنا، تركب القطار الى الخرطوم ثم تكمل الرحلة من الخرطوم الى وادمدنى بالطريق البرى، وعند وصولها يمسى شغلنا الشاغل معها هو السؤال عن شحنة التمر العزيزة فى محطة السكة الحديد القريبة بودمدنى،وحين تصل الشحنة نذهب حاملين بوليصة الشحن لاستلام جوالات البلح وننقلها الى بيتنا القريب، حيث تشرف بت الحاج على فحص شحنتها والتأكد من وصولها كاملة ثم توزعها ، قسم للبيت ويكون عادة من أجود التمر، والبقية للسوق، نحملها مرة أخرى على ظهر كارو لتاجر من تجار البلح الذين اعتادت ان تبيع لهم تمرها وتجلس جوار شحنتها حتى تبلغ الشحنة مقرها وتتم البيع وتتسلم نقودها وتحفظها جيدا فى محفظتها الجلدية المعروفة ب (الشكوة) وتستبقى بعض النقود في يدها لشراء احتياجاتها الخاصة من سكر وشاى وبن وصابون وغيره، فقد اعتادت الجدة ان تشترى احتياجاتها منفردة وان تساهم فى كل وقت بشئ ما فى احتياجات البيت حتى لاتكون عبئا ثقيلا على أهله،ثم تنفحنا بنفحات متكررة تجعلنا نتنافس على مرافقتها فى رحلاتها المختلفة. كانت تشترى السعف من سوق السعف من عائد تمرها وتظل طوال إقامتها عندنا تشتغل فى صناعة المنتوجات المحلية من السعف ، تصنع (القفاف) أى السلال من السعف وتصنع البروش( سجاجيد الصلاة) بأحجام مختلفة، ثم تحمل إنتاجها إلى السوق لتبيعه هناك وتشترى من جديد احتياجاتها المتجددة وسعفا جديدا لمواصلة انتاجها.